الشيخ محمد النهاوندي
556
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وحاصل الآية أنّ اعتبار التّعدّد لأجل أن تذكّر إحداهما الأخرى ، إن ضلّت الأولى ونسيت الشّهادة . في أنّ المراد من نهي الشهداء عن الإباء ، الإباء عن التحمل ، وإمكان إرادة الأعم ثمّ أنّه تعالى - كما نهى الكاتب عن الامتناع من الكتابة - نهى الشاهد عن الإباء عن الحضور لتحمّل الشّهادة أو لأدائها ، بقوله : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ عن التّحمّل أو أداء الشّهادة إِذا ما دُعُوا إلى التّحمّل أو الأداء . في الصّحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، في قول اللّه عزّ وجلّ : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ قال : « قيل الشّهادة » « 1 » . وعنه عليه السّلام ، في تفسير الآية ، قال : « لا ينبغي لأحد إذا دعي إلى شهادة ليشهد عليها ، أن يقول : لا أشهد لكم عليها » « 2 » . وقريب منها أو مثلها عدّة روايات أخر ، الظّاهرة في كون المراد حرمة الإباء عن التّحمّل « 3 » . ولا معارض لها ، إلّا ما عن ( تفسير الإمام عليه السّلام ) : عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال : « تفسير هذه الآية : من كان في عنقه شهادة ، فلا يأب إذا ما دعي لإقامتها » « 4 » . ومن الواضح أنّ هذه الرّواية مع ضعف السّند ، لا تكافئ الرّوايات الكثيرة المعتبرة ، مع إمكان الجمع بالقول بأنّ متعلّق إِذا ما دُعُوا أعمّ من التّحمّل والأداء ، ولا يرد عليه ما قاله الفاضل المقداد رحمه اللّه من استلزامه استعمال المشترك في أكثر من معنى « 5 » ، لوضوح أنّه على تقدير جعل المقدار الأعمّ من التّحمّل والأداء ، لم يستعمل لفظ الدّعوة في غير معناه الظّاهر ، وتكون الكثرة في المحذوف ، وهو المدعو إليه . ويمكن أن يكون نظره رحمه اللّه إلى أنّه على تقدير إرادة الأعمّ ، لزم استعمال لفظ الشّهداء في المعنى الحقيقي والمجازي ، حيث إنّ استعماله في من لم يتحمّل بعد ، مجاز بعلاقة المشارفة ، فتأمّل . ثمّ إنّ النّهي عن الإباء دالّ بالالتزام على الأمر بالإجابة ، فتكون الإجابة واجبة ، ولا بدّ من القول بكون وجوبها كفائيا لمعلوميّة الغرض ، كما أنّ وجوب الكتابة على الكاتب كذلك ، ولا منافاة بين كون أمر المديون بالاستكتاب والاستشهاد إرشاديّا أو ندبيّا ، وبين كون الأمر بالكتابة وتحمّل الشّهادة على
--> ( 1 ) . الكافي 7 : 380 / 4 ، تفسير الصافي 1 : 285 . ( 2 ) . الكافي 7 : 379 / 1 ، تفسير الصافي 1 : 285 . ( 3 ) . الكافي 7 : 380 / 3 - 6 . ( 4 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 676 / 378 ، تفسير الصافي 1 : 285 . ( 5 ) . كنز العرفان 2 : 54 .